المناوي
375
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )
يمدّهم بها في أمر دينهم ودنياهم ، ولولا ذلك لتلاشى العالم في أقلّ من طرفة عين « 1 » . وقال : عجبت للمتكبّر الفخور الذي كان بالأمس نطفة وغدا جيفة ، وعجبت كلّ العجب لمن شكّ في اللّه وهو يرى خلقه ، ولمن أنكر النّشأة الآخرة وهو يرى الأولى ، ولمن عمل لدار الفناء وترك دار البقاء . وقال لابنه الباقر : لا تصحبنّ خمسة ولا ترافقهم في طريقهم : الفاسق ؛ فإنّه يبيعك بأكلة فما دونها ، قيل : فما دونها ؟ قال : يطمع فيها ثم لا ينالها ، والبخيل ؛ فإنّه يقطع بك أحوج ما تكون إليه ، والكذّاب ؛ فإنّه كالسّراب يبعد منك القريب ، ويقرّب إليك البعيد ، [ والأحمق ؛ فإنّه يريد أن ينفعك فيضرّك ] « 2 » ، وقاطع الرّحم ؛ فإنّه ملعون في ثلاث آيات « 3 » من كتاب اللّه . وكان عاملا على كتمان أسرار اللّه تعالى في العالم ، كما أشار إليه بقوله : يا ربّ جوهر علم لو أبوح به * لقيل لي : أنت ممّن يعبد الوثنا ولاستحلّ رجال مسلمون دمي * يرون أقبح ما يأتونه حسنا ومن مبالغات حلمه أنّه خرج يوما من المسجد فلقيه رجل ، فسبّه وبالغ وأفرط ، فبادر إليه العبيد والموالي ، فكفّهم ، وأقبل عليه فقال : ما ستر عنك من أمرنا أكثر ، ألك حاجة نعينك عليها ؟ فاستحى الرّجل ، فألقى له خميصة « 4 » وأمر له بخمسة آلاف درهم ، فقال : أشهد أنّك من أولاد المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم .
--> ( 1 ) الخبر من المطبوع فقط . وهذا القول ينسب لمحمد بن الحنفية . انظر المختار من مناقب الأبرار 3 / 265 . ( 2 ) ما بين معقوفين مستدرك من صفة الصفوة 2 / 101 . ( 3 ) وهي : الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ [ البقرة : 27 ] ، و وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [ الرعد : 24 ] ، و فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ ( 22 ) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ [ محمد : 22 - 23 ] . ( 4 ) الخميصة : ثوب خزّ معلم . متن اللغة ( خمص ) .